عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني

39

معارج التفكر ودقائق التدبر

[ سورة العلق ( 96 ) : الآيات 6 إلى 8 ] كَلاَّ إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى ( 6 ) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى ( 7 ) إِنَّ إِلى رَبِّكَ الرُّجْعى ( 8 ) هذا الدّرس يتضمّن أنّ الإنسان في معظم أفراده ، إذا لم يكن له هاد يهديه ويحذّره وينذره ويرغّبه حتّى يختار لنفسه الظّفر بسعادته في دنياه وفي أخراه ، والنجاة من عذاب اللّه فيها ، فإنّ امتلاكه للوسائل والأسباب المتاحة له في العاجلة ، والّتي يشعر بأنّها تهيّىء له السّعادة في دنياه ، يجعله يشعر بالاستغناء عن ربّه ، إذ لا يرى بعينيه أنّ كلّ أحداث الكون هي من تصاريفه جلّ جلاله ، وهذا الشّعور بالاستغناء يولّد لديه استعلاء واستكبارا وطغيانا . ثمّ ينسى مع هذا الطغيان الّذي تشبّعت به نفسه أنّه في حياة دنيا قصيرة عاجلة ، وأنّه عبد لربّه الخالق له ، وأنّه في هذه الحياة ممتحن مبتلى ، وأنّ الامتحان يستلزم المحاسبة والجزاء عقلا ، وقد جعل اللّه ذلك يوم الدّين ، حين يبعث اللّه الموتى ، ويكون مصيرهم إلى حساب ربّهم وفصل قضائه وتنفيذ جزائه . وهنا يرد سؤال ، وهو : ما هو حال النّاس عموما في الحياة الدّنيا تجاه علوم الدّين الّتي تهديهم إلى سبيل سعادتهم في الدنيا والآخرة ، وتجاه دعوتهم للاستجابة لنداء ربّهم لهم . ويأتي الدرس الثالث الأخير من دروس السّورة ليجيب ضمنا على هذا السؤال ، وهو قول اللّه عزّ وجلّ فيها : [ سورة العلق ( 96 ) : الآيات 9 إلى 19 ] أَ رَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى ( 9 ) عَبْداً إِذا صَلَّى ( 10 ) أَ رَأَيْتَ إِنْ كانَ عَلَى الْهُدى ( 11 ) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوى ( 12 ) أَ رَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى ( 13 ) أَ لَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى ( 14 ) كَلاَّ لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ ( 15 ) ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ ( 16 ) فَلْيَدْعُ نادِيَهُ ( 17 ) سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ ( 18 ) كَلاَّ لا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ ( 19 ) ومع بيان أصناف النّاس تجاه الرّسالة الرّبانيّة جاء في هذا الدّرس تحذير ووعيد للضّالّين وللمضلّين ، ووعد للمهتدين والدّاعين إلى الهدى ، وتثبيت لهم على ما هم فيه من خير وخضوع لربّهم متقرّبين له بالسّجود .